عبد الوهاب الشعراني
232
تنبيه المغترين
تعالى وخواص خلقه من أنبيائه وأصفيائه ، وقد ذكرنا في كتابنا الأجوبة عن الأكابر أن معاصي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام صورية لا حقيقية أجراها اللّه تعالى على أيديهم تعليما لهم بالفعل ليعلموا قومهم كيفية الخروج من المعاصي الحقيقية إذا وقعوا فيها ، وكان بكاؤهم أيضا صوريا فاعلم ذلك يا أخي وابك على قلة بكائك وادخل من الباب الذي دخل منه البكاءون من خشية اللّه تعالى وهو الجوع وعدم أكل الحرام والشبهات ، فإن من شبع من ذلك قسا قلبه ضرورة كما تقدم لك بسطه مرارا . وكان عبد الرحمن الأسود إذا اعتلت رجله قام على رجل واحدة إلى الصباح ولا يترك قيام الليل ، وقيل للحسن البصري مرة ما بال المجتهدين أحسن الناس وجوها ، فقال : لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره ، وكانت شعوانة العابدة تقول لأصحابها : ألزموا قلوبكم الحزن ومحبة اللّه ثم لا يبالي أحدكم حين مات ، وكان لأبي بكر بن عياش خطان أسودان في خديه من الدموع ، ولما سرق مصحف مالك بن دينار فكان إذا وعظ الناس بكوا فيقول : كلنا نبكي فمن سرق المصحف ، والحمد للّه رب العالمين . كثرة الاستغفار ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة الاستغفار وخوف المقت كلما قرءوا القرآن لشهودهم عدم عملهم به ، وكان عبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه تعالى يقول : كم من حامل للقرآن والقرآن يلعنه من جوفه وإذا عصى حامل القرآن ربه ناداه القرآن من جوفه واللّه ما لهذا حملت ألا تستحي من ربك ، واعلم إنه يجب على تالي القرآن أن يروض نفسه على يد شيخ صادق حتى يلطف كثائفه وحجبه المانعة من العمل بالقرآن وعن شهود عظمة اللّه تعالى ، فإنه لو شهد عظمته عز وجل ما عصاه كما عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكمل ورثتهم إذ لا يقع أحد في معصية قط إلا مع الحجاب اه . وقد كان يوسف بن أسباط رحمه اللّه تعالى كلما ختم القرآن يستغفر اللّه سبعمائة مرة ثم يقول : اللهم لا تمقتني بما قرأته من غير عمل سبعين مرة ، وكان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : حامل القرآن مقامه يجل عن أن يعصى ربه وكيف يصح له أن يعصى ربه وكل حرف من القرآن يناديه باللّه عليك لا تخالف ما أنت حامله مني ، فلا ينبغي لحامل القرآن أن يلهو مع اللاهين ولا يسهو مع الساهين ولا يغفل مع الغافلين ، وقد كان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : يا أهل القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم فإن